محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

154

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

يدرسها المؤرّخ ، وإنما هو كلام للحياة ، أي يعاش عليه يوميا . فالعبارات القرآنية هي التي تحدّد التصرفات الشعائرية ، والأخلاقية ، والقانونية للمؤمنين . كما أنها هي التي تحصر نطاق فعاليتهم الفكرية والخيالية أو التخيلية . وهي التي تولّد وتغذّي أشكال حساسيتهم . ولهذا السبب ، فإن تفسير الخطاب القانوني الذي أتاح بلورة الشريعة ( أي القانون الديني ) كانت له الأولوية . وقد فرض مناهجه في تحليل أنماط الخطاب الأخرى ( انظر علم الأصول المؤسّسة للقانون ، أعني : علم أصول الفقه ) . إن المكانة التي اتخذتها سورة الكهف في التأملات الشعبية ، والنشر الاستثنائي لموضوعاتها الروحية الموضّحة من قبل التفسير ، كل ذلك يبيّن القوة الانبنائية والتحفيزية للخطاب القرآني بصفته كلام حياة ( أو كلاما حيّا ) . وهذا ما يدعى بالوظيفة الوجودية المحرّكة « * » للخطاب القرآني . ولا ينبغي علينا أن نحذف هذه الوظيفة أو أن نقلّصها عندما يتركّز اهتمامنا على الخطاب السردي بشكل خاص « 1 » . سوف نتساءل في ما إذا كانت الوظيفة المحرّكة للوجود مؤمّنة من قبل التنظيم السردي للخطاب القرآني أو من قبل الإطار السردي المبلور على مدار القرنين الأول والثاني للهجرة « 2 » من أجل إضفاء تماسك شكلاني على النصوص المتبعثرة التي هي آيات في معظمها . ثم لكي يقدّم قاعدة وجودية محسوسة ( كسيرة النبي مثلا ) إلى الآيات التلميحية أكثر من اللازم ، أو العمومية أكثر من اللازم « * * » . سوف نقدم مثلا دقيقا ومحسوسا عن هذه الطريقة التعبيرية في الفقرة التالية . أما المبدأ الثالث الذي يتحكّم بالتفسير التقليدي فينصّ على ما يلي : كل العبارات أو

--> * هذه هي الترجمة التي اخترتها للمصطلح الفرنسي : existentiale fonction . la فلم أقل وظيفة وجودية وإنما قلت وظيفة محرّكة للوجود ، أي تؤثر في الوجود إلى درجة أنها تحرّكه وتوجّهه وتكاد توجده . والواقع أن الخطاب القرآني - ككل خطاب ديني رفيع المستوى - يتمتع بهذه الصفة : صفة التأثير الشديد على السامع . ( 1 ) لنذكر هنا سمتين من السمات التي تحافظ على الوظيفة الكاشفة للوجود والتي يتمتع بها الخطاب السردي . فالناطق المؤلّف يظهر ثانية بشكل صريح بصفته راويا أو ساردا من أجل إثبات صحة الأشياء المروية ونموذجيتها . ولذا ، فإن الأحداث المختارة ليست عبارة عن مجرد أحداث وتقلبات مرتّبة بواسطة المنطق الداخلي للقصة أو للحكاية . وإنما هي تكشف عن التعالي ، أو عن أثر اللّه في تاريخ النجاة الأخروي ، وهذا مؤكد عليه من قبل التعاليم التي يستمدها المفسّرون من الأحداث المختارة من أجل بلورة أخلاقية السلوك ، أو تنظيم الشعائر ، أو سنّ القوانين . ( 2 ) حول أهمية هذا الإطار السردي ، انظر : كتاب الباحث ج . وانسبرو : . p ، . op . cit ، . . . Studies Quranic . ff 119 * * نادرا ما تكون لغة القرآن تصريحية ، وإنما هي تلميحية في معظم الأحيان ، ولذلك فإنها قابلة للتعميم على حالات عديدة ، وليس فقط على حالة قريش ومكّة والمدينة . . . إلخ .